السيد محمد تقي المدرسي
251
من هدى القرآن
الإطار العام : منهج النبوة في الدعوة في الوقت الذي تبين هذه الآيات من السورة الملامح العامة لرسالة نوح عليه السلام ومن خلالها ملامح الرسالات الإلهية جميعا ( الآيات : 1 - 4 ) تشير إلى قصته مع قومه والتي انتهت بهلاكهم غرقا بالطوفان ( الآيات : 5 - 28 ) ، فإن محورها الأساسي كما يبدو ليس ذلك وإنما هو التركيز على أن نوحا عليه السلام ضرب مثلا رائعا للمعاناة في سبيل الله ، والاستقامة على نهج الرسالة رغم التحديات الخطيرة المتمادية ، حيث بقي عليه السلام « أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً » [ العنكبوت : 14 ] ، يكابد مرارة نفور قومه الذين أصرُّوا على الباطل ، واستكبروا عن الحق ، ومكروا مكرا كُبَّارا ، لا ينثني عن أهدافه ، ولا يتراجع عن نهجه . وتلك الاستقامة درس عظيم لنا ، لأنها كانت من الثوابت التي لا تقبل التغيير . . بلى ؛ كان يغيِّر من أساليبه فمرة يدعو جهارا ، وأخرى إعلانا ، وثالثة إسرارا ، لا يدخله أدنى شك في الحق الذي بين يديه بسبب تكذيب قومه ، والبشرية يومئذ معارضة لدعوته ، ولا بسبب تأخر نصر الله عنه ، وإنما كان على عكس قومه تماما ، يزداد مُضِيًّا على الحق ، وتسليما لأمر ربه ، ويقينا بنصره . إن العناد المقدس الذي اتصف به نوح عليه السلام جعله رمز الرساليين ( دعاة وقادة ) عبر التاريخ ، ومن ثم واحدا من أولي العزم من الرسل ، وأي عزم ذاك الذي واجه به عناد البشرية كلها . . فلله درك يا شيخ المرسلين ! ولعمري إنك لآية العزم والاستقامة ! .